محمد جمال الدين القاسمي

126

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

اللّه صلى اللّه عليه وسلم يطوف علينا . فيقبل ويلمس . ومنه ما ثبت في الصحيحين « 1 » : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة . وهو يرجع إلى الجس باليد . واستأنسوا أيضا بالحديث الذي رواه أحمد « 2 » عن معاذ ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتاه رجل فقال : يا رسول اللّه ! ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها ، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا أتاه منها غير أنه لم يجامعها . قال فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [ هود : 114 ] الآية . قال فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : توضأ ثم صلّ . قال معاذ : فقلت : يا رسول اللّه ! أله خاصة أم للمؤمنين عامة ؟ فقال : بل للمؤمنين عامة . ورواه الترمذيّ « 3 » وقال : ليس بمتصل . والنسائيّ مرسلا . قالوا : فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها . فصل ومن قائل : إن المعنيّ باللمس هنا الجماع . وذلك لوروده في غير هذه الآية بمعناه . فدل على أنه من كنايات التنزيل . قال تعالى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ البقرة : 237 ] . وقال تعالى إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ الأحزاب : 49 ] . وقال في آية الظهار فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [ المجادلة : 3 ] . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ قال : الجماع . وروى ابن جرير « 4 » عنه . قال : إن اللمس والمس والمباشرة : الجماع . ولكن اللّه يكني ما يشاء بما شاء . وقد صح من غير وجه عن ابن عباس أنه قال ذلك . وقد تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره ، لاستجابة دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيه بتعليمه تأويل الكتاب « 5 » . كما أسلفنا بيان ذلك في مقدمة التفسير . ويؤيد عدم النقض بالمس ما رواه مسلم « 6 » والترمذيّ وصححه عن عائشة

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : البيوع ، 62 - باب بيع الملامسة ، حديث 243 ونصه : عن أبي سعيد رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نهى عن المنابذة ، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلّبه أو ينظر إليه . ونهى عن الملامسة . والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه . ( 2 ) أخرجه في المسند 5 / 244 . ( 3 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 11 - سورة هود ، 5 - حدثنا عبد بن حميد . ( 4 ) الأثر رقم 9581 . ( 5 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 17 - باب قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « اللهم علمه الكتاب » . حديث 65 ونصه : عن ابن عباس قال : ضمني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « اللهم علمه الكتاب » . ( 6 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 222 .